مسعود أحمد بيت سعيد
منذ صدور قانون الحماية الاجتماعية وحتى اليوم، لا يزال الجدل مُحتدمًا في الملتقيات والصحف ومنصات التواصل الاجتماعي، بين من يراه مظلة حقوقية شاملة، ومن يرى غير ذلك.
وقد تصاعد هذا الجدل عقب التعديلات التي أُدخلت عليه، والتي تضمنت اشتراطات جديدة قُوبلت باستياء واضح من ممثلي بعض الفئات والشرائح الاجتماعية التي سيُستثنى جزء منها في المرحلة المقبلة. ولا شك أن هذه المواقف والآراء والتباينات البارزة، ظاهرةٌ طبيعيةٌ؛ فهي، بقدر ما تعكس نسبيًا حرية الرأي والتعبير النقدي، تمثل في الوقت نفسه أحد مظاهر الصراع الاجتماعي، ويمكن ربطها بموقع الفرد في السُلَّم الاقتصادي. وهذا التفسير أقرب إلى الصواب؛ إذ من غير المُتصوَّر أن يتخذ أي طرف موقفًا يتعارض مع مصالحه. فالجميع، في نهاية المطاف، يدافع عن مصالح طبقية محددة، لا عن المصلحة العامة التي يبدو التعبير عنها في كثير من الأحيان فضفاضًا، حتى وإن غُلِّف بخطاب مُشبَّع بواقعية مزعومة أو بتحذيرات من آثار نفسية أو اقتصادية محتملة. وهذا يؤكد أن ما يسمى بـ"المصلحة العامة" ليس سوى توصيف مُضلِّل يُستخدم لأغراض محددة؛ إذ إنَّ لكل طبقة أو فئة مصالحها وتفسيرها الخاص لهذا المصطلح. وليس هناك سُلطة أو قانون أو فرد يقف فوق الطبقات الاجتماعية ومصالحها المتناقضة، حتى لو استُخدمت ألفاظ توحي بغير ذلك. وقد تجلَّت هذه الحقيقة بوضوح عندما لامست التعديلات المصالح الفئوية، فانتقلت القضية إلى فضاء الصراع الفكري الذي يعكس ضمنيًا الصراع الاجتماعي؛ فالذين يروِّجون لشمولية قانون الحماية الاجتماعية بوصفه مبدأً مُطلقًا غير خاضع لأي ضوابط، ينطلقون- في الغالب- من اعتبارات ذاتية.
ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن خلط القضايا يرتبط- عادة- بدوافع مصلحية بحتة، أكثر من ارتباطه باعتبارات إنسانية عامة؛ فالواقع أن القانون شُرِّع أساسًا لانتشال بعض الشرائح الاجتماعية الفقيرة التي عانت طويلًا من شتى صنوف الحرمان. ومن هنا تبرُز ضرورة التمييز بين قانون يستهدف فئة محددة، وممارسة مُشوَّهة أفرغته من مضمونه. وعلى الرغم من ذلك، فإن التجربة العملية كفيلة بفرض معايير أكثر واقعية في المستقبل.
وطالما أن المسألة، في جوهرها، تتمحور حول وجود طبقة فقيرة تستدعي التدخل لانتشالها من براثن الفقر، فإن من الضروري أن يتركز الجهد نحو هذا الهدف، وتعزيز التوجه الذي وُضِعَ القانون من أجله، حتى لا يفقد وظيفته ومعناه، خصوصًا في ظل اتساع رقعة الفقر ومعاناة أعداد متزايدة من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة. وبعد ذلك يمكن الحديث عن حماية اجتماعية ذات أبعاد أوسع وأشمل. والمجتمع العُماني- كسائر المجتمعات- يتكون من طبقات وشرائح اجتماعية متفاوتة، لم تستقر على بنية اقتصادية مشتركة. وليس هناك إطار قانوني أو سياسي يمكن أن يُلبِّي تطلعاتها جميعًا من دون أن يمس مصالح بعضها. وعندما يتجه الاهتمام الرسمي إلى معالجة أوضاع الفقراء، لا يكون من المنطقي ولا من الأخلاقي مواجهته بشعارات مساواة مجردة؛ فالعدالة المطلقة تقتضي- نظريًا- إلغاء الفوارق الطبقية، وهو أمر لا يتحقق إلّا بإلغاء الملكية الخاصة ذات الطابع الاستغلالي وتحويلها إلى ملكية عامة، بحيث يُوزَّع الدخل الوطني بالتساوي بعد اقتطاع مخصصات الخدمات العامة المشتركة.
غير أن هذا الطموح يرتبط برؤية أيديولوجية مختلفة، في إطار السعي إلى توسيع قاعدة الرخاء الاجتماعي والاقتصادي الشامل. أمَّا في ظل المتمايزات الاجتماعية القائمة، فإن هذا المنطق يفقد مبرراته؛ فالمسألة الآنية والملموسة التي تفرض نفسها هي تعزيز أوضاع الشرائح غير الميسورة. وفي هذا السياق، فإنَّ أي تصويب في آليات تقليص الفوارق الاجتماعية يُعد مسؤولية وطنية تسهم في تجنيب المجتمع مزيدًا من التوترات الاجتماعية والسياسية.
ونأمل أن يأتي الوقت الذي لا يحتاج فيه أي مواطن إلى منفعة من أي جهة كانت. وفي هذا الإطار، لا بُد من التأكيد على أن اعتماد معيار الدخل الشكلي وحده، من دون دراسة شاملة للحالة المعيشية للفرد، يُعد بحد ذاته قصورًا في طرق المعالجة؛ فالغاية الأساسية، في تقديري، ينبغي أن تتمثل في دعم الفقراء وتحسين مستوى معيشتهم، على أن يُعاد النظر مستقبلًا في قيمة المنفعة بما يتناسب مع تغير الأسعار والأجور، مع رفع سقف المُستحقين بما يضمن للإنسان شروط الحياة الكريمة.
